محمد متولي الشعراوي

9082

تفسير الشعراوي

يُحكِّمون عقولهم ، ولا يُحكِّمون قدرة الله الذي خلقهم بقانون الزمان والمكان والبُعْد والمسافة ، فكُلٌّ فعل يتناسب قوةً وقدرةً مع فاعله . ثم يقول تعالى : { إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ مريم : 35 ] ذلك لأن الآية في خَلْق عيسى عليه السلام مخالفة للنواميس كلها ، وخارقة للعادة التي أَلِفها الناس ، فإياك أنْ تتعجب من فِعْل الله تعالى في يحيى ، حيث جاء به مع عطب الآلات ، أو تتعجب من خَلْق عيسى حيث جاء به مع نقص الآلات . وإياك أنْ تتعَجَّب من كلام عيسى وهو في المهد صَبِياً ، فهي أمور نعم خارقة للعادة وللنواميس ، فخُذْها في إطار ( سبحانه ) وتنزيهاً له ؛ لأنه تعالى إذا أراد شيئاً لا يعالجه بعمل ومُزاولة ، وإنما يعالجه ( بكُنْ ) فيكون . ولا تظن أن خَلْق الأشياء متوقف على هذا الأمر ( كُنْ ) ، فإن كان الفعل مُكوّناً من ( كاف ) و ( نون ) فقبل أن تنطق النون يكون الشيء موجوداً ، لكن ( كُنْ ) هو أقصر ما يمكن تصوِّره لنا ، والحق سبحانه يخاطبنا بما يُقرِّب هذه المسألة إلى عقولنا ، وإلا فإرادته سبحانه ليستْ في حاجة إلى قول ( كُنْ ) فما يريده الله يكون بمجرد إرادته . كما أنك لو أمعنتَ النظر في قوله تعالى : { إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ مريم : 35 ] تجد ( يقُولُ لَهُ ) أي : للشيء ، فكأن الشيء موجود بالفعل ، موجود أزلاً ، فالأمر بكُنْ ليس لإيجاده من العدم ، بل لمجرد إظهاره في عالم الواقع .